الوفاق/خاص/ مصطفى خرم آبادی- تتموضع محافظة سيستان وبلوتشستان في الخاصرة الجنوبية الشرقية للبلاد، ويتعاش فيها السنة والشيعة منذ قرون متتالية في تآلف ووئام حتى الآن بشكل سلميّ بعيداً عن الخلافات. إلاّ أنه في ضوء أحداث الشغب الأخيرة التي أثيرت بهذه المحافظة على أيدي تنظيمات إرهابية إنفصالية أعلن الكثير من علماء السنة والشيعة عن دعمهم للثورة الإسلامية، مشدّدين على ضرورة التشبّث بالوحدة بين الشيعة والسنة في كافة أنحاء البلاد، ورغم المخاطر التي تعرّضوا لها لم تتمكّن التهديدات من ثنيهم على الوفاء بدعم الجمهورية الإسلامية شعباً وحكومة. يوم الخميس المنصرم فُجع أهالي المحافظة بتلقي خبر إستشهاد الشيخ عبدالواحد ريغي وهو عالم حنفي رفيع الشأن في مدينة خاش الواقعة في محافظة سيستان وبلوتشستان على أيدي المنتمين إلى تنظيم إرهابي مسلح. الطريقة الوحشية التي إستخدمها الإرهابيون في إغتيال الشيخ ريغي جعلت صدور أهالي المحافظة تضيق وعيونهم تبكي. في هذا السياق أجرت صحيفة الوفاق حواراً مع العالم الحنفي البلوشي الشيخ عبدالرحمن ريغي، وفيما يلي نص الحوار:
من فضلکم قدّموا لقارئي الصحيفة نبذة مختصرة عن حياة الشهيد الشيخ عبدالواحد ريغي.
كان الشيخ عبدالواحد ريغي يعتبر من أكبر علماء منطقة بلوتشستان والذي يتولّى إمامة جامع الإمام الحسين (ع) في مدينة خاش، وحظي طوال عمره الشريف بمكانة شعبية واسعة بين أهالي المدينة وأيضا أهالي مدن الجوار. وكذلك أبناء يُعتبرون من علماء السنة المحترمين في بلوشستان، وينبغي علينا ذكر أنّ أجداد هذا الشهيد جميعاً كانوا من الأشخاص الموثوقين والمحترمين عند الأجيال السابقة في مدينة خاش.
هذا العالم، إضافة إلى أداء واجبه التبليغي والديني كان يقوم بتقديم خدمات إجتماعية ومساعدة للناس، ومن أهم ميزاته الأخلاقية معاملته الحنينة مع كل أطياف المجتمع وكلّ من كان يعرفه يعترف بأنّه بمعاملته الوديّة الصادقة مع الناس دخل قلوب أهالي المجتمع شباباً وكباراً.
أشرتم إلى الخدمات الإجتماعية التي قدّمت الشهيد للمجتمع. رجاء أذكروا بعضا منها.
هذا العالم الشهيد منذ عشر سنوات خصّص قسماً من الجامع لتحفيظ القرآن الكريم، وعبر هذه المبادرة المباركة نال الكثيرمن أطفال وشباب المنطقة شرف حفظ المصحف الشريف بشكل كامل، وينبغي أن نذكرأنّه كان يستخدم أسلوباً متقدّماً جداً لتحفيظ القرآن الكريم. مضافة إلى هذا، تربّى الكثير من طلبة العلوم الدينية على يده في مدرسة خاش العلمية التي كان يدرّس فيها كتب الحديث الإسلامية.
كيف كانت علاقة الشيخ مع علماء السنة والشيعة ؟
كان عالماً حنفيّاً وعلاقته مع جميع العلماء كانت وثيقة وودّية خاصة مع علماء المدارس الثلاثة للعلوم الدينية في مدينة خاش وهي "مخزن العلوم" و"مدينة العلوم" و"دارالهدى" في منطقة إسماعيل آباد.
وطوال حياته الشريفة كان معروفاً بين علماء المنطقة بأنّه يتحلّى بصفات أخلاقية مثل الشجاعة والتدبير والإخلاص والإهتمام بأمور الناس والأخلاق الطيّبة. بقيت علاقته مع العلماء حتى آخر يوم من حياته ودّية ووثيقة مع الجميع ولم تكن بينه وبين أيّ عالم ديني في المنطقة خلاف على الإطلاق.
ويجب أن أذكر أنّ علاقته مع الشيعة في محافظة سيستان وبلوتشستان أيضاً كانت أخويّة جداً، خاصة مع مواطنينا الشيعة الذين يعيشون في مدينة خاش.
تم نشر مقطع مؤخراً ظهر فيه الشهيد يتكلّم مع مندوب قائد الثورة الإسلامية، مشيراً إلى مشاركته في جبهات الحرب المفروضة على إيران في الثمانينات. ما هي منجزاته خلال الحرب؟
كان من العلماء الذين يتميّزون بأنشطة مميزة في محافظة سسستان وبلوتشستان لدعم المجاهدين أثناء الحرب المفروضة وحضر إلى جبهات القتال مرّات عديدة لأداء واجبه الجهادي وقال في المقطع الذي تمّ نشره: إنّني تشرفت بالمشاركة في أداء الواجب الجهادي أثناء الدفاع المقدس.
في لقاء إجتمع بمندوب قائد الثورة الإسلامية الشيخ علي أكبري، كشف الشيخ ريغي أياماً قبل إستشهاده عن تعرضه لتهديدات مبنية على قتله. من هؤلاء الذين وجّوه له هذه التهديدات ولما فعلوا به كذلك؟
بناء على ما قاله، تعرّض للتهديدات من قبل تنظيم إرهابي لايعرف المنتمون إليه عن الإسلام وأحكامه شيئاً ولايريدون أن يبقى الشخصيات الوحدوية مثل الشهيد ريغي ذات شعبية، مؤثرين على عقول أفراد المجتمع ويتلقون الأوامر من خارج البلاد المبنية على زعزعة الإستقرار والأمن وإثارة النعرات الطائفية.
ماهو سبب تعرضه لهذه التهديدات؟
لأنّه إتّخذ مواقف معتدلة في الوقت الذي مرّت فيه المنطقة بأزمة، حيث كان يدعو الناس دائماً إلى الهدوء وضبط النفس بالإضافة إلى هذا كان شخصيّة وفيّة لإيران شعباً ودولةً. في هذه الفوضى الأخيرة في بلوتشستان طالب الشيخ بمحاسبة كل من تورّط في قتل وسفك دماء الأبرياء بغضّ النظر عن إنتمائهم لأيّ جهة. وهذا ما لايحبّه الإرهابيون المثيرون للفتنة بين الناس.
كيف أُغتيل الشيخ ومتى إطلع الناس على الأمر؟
بناء على ماقال لي مرافقوه حتى ساعات قليلة قبل إستشهاده إنّه بعدما إنتهى من إقامة صلاة الظهر، بدأ بتفسير رواية ما، وهذا ما كان يفعله عادة بعد كل صلاة. بعدما إنتهى من تفسير الرواية يدخل طفلان الجامع قائلَين له: يا شيخ هناك أشخاص يريدون أن يتحدّثوا معك. ظنّ الشيخ أنّ مشكلة ما قد وقعت لأحد الناس وهو بحاجة إلى مساعدته في أمر ما، لأنّ مثل هذا الأمر كان يحدث له يومياً حيث الناس تعوّدوا على حلّ مشاكلهم على يده. ما إن غادر الشيخ من الجامع حتى يأخذه أفراد مجهولون في سيارة بيجو مجهولة الرقم إلى صحراء، وإغتالوه برصاصات دخلت الرأس والجسد ثم تركوه.
بعدما وصلنا خبر إستشهاده فوجئ الناس من مختلف الطوائف السنية والشيعية وساد الحزن في المدينة، بما مرّ على شيخنا الفاضل والمتقي والكبير في العمر والمفيد جداً للمجتمع والمضحي بنفسه للبلاد، من جريمة مخوّفة نكراء على يد الجبناء عملاء الأجانب.
اليوم ببالغ الحزن والأسى يتذكّر الناس هذه الرواية النبوية: إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا. اليوم أكثر من إطّلع على خبر إستشهاد هذا العالم الجليل يقول لنفسه: ياليته كان معنا اليوم وبإستطاعتنا أن نستمرّ بالإستفادة من علمه.
حتى يُدرك المخاطبون ماهي مكانة الشيخ الشهيد عبدالرحمن ريغي العلمية، إنّه كان من علماء السنة البارزين في علم الفقه ومن شارك في مجالس تدريسه أدرك مستواه العلمي الرفيع ومنهجه المتقدم والدقيق في تفسير الأحاديث فقهيّاً. واليوم كأنّ طلبته فقدوا أباهم حزنوا وبكوا.
ما هي ردود فعل علماء السنة في إيران على هذا الحادث المؤلم؟
جميع العلماء السنة وطلبة العلوم الدينية ورؤساء العشائر والحوزات العلمية في منطقة بلوتشستان مضافة إلى شخصيات كبيرة المستوى من مختلف أنحاء البلاد سنة وشيعة وخاصة سعادة رئيس الجمهورية الدكتور رئيسي أرسلوا برقيات عزاء وعبّروا عن مواساتهم لذويه وطلاب علمه فطبعاً إتخاذ هذه المواقف من قبلهم تشير إلى مكانة الشيخ الشهيد ريغي الرفيعة بين اطياف المجتمع والجدير بالذكر أنّ الجميع سنة وشيعة إستخدموا في برقياتهم عبارة "الشهيد" له واستنكرو هذه الجريمة النكراء التي إرتكبها الإرهابيون بحقه.
نحن نرى الشهادة شرف لمن ينالها والله لايرفع درجات أحد بهذا الشرف العظيم إلا ويجد فيه إخلاصاً وخلوصاً وتقوى. يومياً يموت الكثير من الناس في العالم إثر حادث إصطدام أو في مستشفيات إثر إصابتهم بالأمراض. بناء على هذا فنحن لانستخدم عبارة "التعزية" لعائلته الكريمة بل نبارك لها بهذا الفخر العظيم والشرف الذي نالوه.